فخر الدين الرازي

82

تفسير الرازي

وإذا كان ذلك مجازاً مشهوراً في اللغة لم يكن استعمال اللفظ فيه كذباً والله أعلم . القول في إقامة الدلالة على التوحيد والنبوة والمعاد . * ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الاَْرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) * . اعلم أن في هذه الآيات مسائل : - المسألة الأولى : أن الله تعالى لما قدم أحكام الفرق الثلاثة ، أعني المؤمنين والكفار والمنافقين . أقبل عليهم بالخطاب ، وهو من باب الالتفات المذكور في قوله تعالى : * ( إياك نعبد وإياك نستعين ) * وفيه فوائد : أحدها : أن فيه مزيد هز وتحريك من السامع كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكياً عن ثالث : إن فلاناً من قصته كيت وكيت ، ثم تخاطب ذلك الثالث فقلت : يا فلان من حقك أن تسلك الطريقة الحميدة في مجاري أمورك ، فهذا الانتقال من الغيبة إلى الحضور يوجب مزبد تحريك لذلك الثالث . وثانيها : كأنه سبحانه وتعالى يقول . جعلت الرسول واسطة بيني وبينك أولاً ثم الآن أزيد في إكرامك وتقريبك ، فأخاطبك من غير واسطة ، ليحصل لك مع التنبيه على الأدلة ، شرف المخاطبة والمكالمة . وثالثها : أنه مشعر بأن العبد إذا كان مشتغلاً بالعبودية فإنه يكون أبداً في الترقي ، بدليل أنه في هذه الآية ، انتقل من الغيبة إلى الحضور . ورابعها : أن الآيات المتقدمة كانت في حكاية أحوالهم ، وأما هذه الآيات فإنها أمر وتكليف ، ففيه كلفة ومشقة فلا بدّ من راحة تقابل هذه الكلفة ، وتلك الراحة هي أن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين ويخاطبهم بذاته ، كما أن العبد إذا ألزم تكليفاً شاقاً فلو شافهه المولى وقال : أريد منك أن تفعل كذا فإنه يصير ذلك الشاق لذيذاً لأجل ذلك الخطاب . المسألة الثانية : حكي عن علقمة والحسن أنه قال : كل شيء في القرآن : * ( يا أيها الناس ) * فإنه مكي ، وما كان * ( يا أيها الذين آمنوا ) * فبالمدينة ، قال القاضي : هذا الذي ذكروه إن كان الرجوع فيه إلى النقل فمسلم ، وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون مكة